“مقترح حماية لبنان": الفرصة الأخيرة لإنقاذ وطن على حافة التحوّل الكبير - رندا شمعون

  • 26 March 2026
  • 34 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    في زمنٍ تتسارع فيه الأخطار على لبنان من كل الجهات، داخلياً وخارجياً، يبرز “مقترح حماية لبنان” الذي يجول به التيار الوطني الحرّ كواحد من أكثر الطروحات السياسية تماسكاً وشمولية في مقاربة الأزمة. ليس لأنه يقدّم حلولاً سحرية، بل لأنه يحاول، للمرة النادرة، إعادة جمع عناصر الأزمة اللبنانية ضمن رؤية واحدة متكاملة، تتعامل مع الأسباب لا مع النتائج فقط.

    ينطلق هذا المقترح من إدراك عميق بأن الخطر على لبنان لم يعد عسكرياً فحسب، بل أصبح بنيوياً يطال المجتمع والدولة معاً. لذلك، جاءت “مدوّنة قواعد السلوك” كخط دفاع أول، لا يقل أهمية عن أي مواجهة عسكرية. فهي تعيد الاعتبار للغة الحوار في وجه التحريض، وللوحدة الوطنية في وجه التفكك، وتضع حدوداً واضحة أمام الانزلاق إلى الفتنة، في وقت باتت فيه الكلمة أخطر من الرصاصة.

    ولا يقف الطرح عند البعد الأخلاقي أو السياسي، بل يتقدّم ليضع خطوطاً حمراء سيادية في “الحالات المرفوضة”. هنا، تتبلور ثلاثية واضحة: لا للفتنة الداخلية، لا للاحتلال الإسرائيلي، ولا للتدخل الخارجي، لا سيما السوري. هذه الثلاثية ليست شعاراً، بل محاولة لإعادة تثبيت مفهوم السيادة الشاملة، التي تبدأ من الداخل ولا تنتهي عند الحدود.

    أما في “الحل المرجو”، فينتقل المقترح من توصيف الأزمة إلى رسم مسار الخروج منها. انسحاب الاحتلال، حصرية السلاح ضمن استراتيجية دفاعية، تعزيز قدرات الجيش، والسير بمسار سلام عادل وشامل برعاية دولية. قد تبدو هذه العناوين كبيرة أو حتى خلافية، لكنها في جوهرها تعبّر عن محاولة جديّة لنقل لبنان من موقع المتلقّي للأزمات إلى موقع الشريك في صناعة الحل.

    تكمن أهمية هذا المقترح في توقيته بقدر ما تكمن في مضمونه. فهو يأتي في لحظة تتقاطع فيها التهديدات العسكرية مع الانقسامات الداخلية، ويترافق فيها الضغط الديمغرافي مع اهتزاز دور الدولة. من هنا، لا يبدو الطرح ترفاً سياسياً، بل محاولة استباقية لمنع تحوّل الأزمة إلى واقع دائم، سواء عبر الفتنة أو عبر فرض تغييرات جغرافية وديمغرافية.

    بطبيعة الحال، لن يمرّ هذا المقترح من دون اعتراضات. فملف حصرية السلاح، ومسار السلام مع إسرائيل، ورفض بعض أشكال التدخل الخارجي، كلها نقاط ستفتح أبواب السجال بين القوى السياسية. لكن في المقابل، هناك مساحات مشتركة لا يمكن تجاهلها، كرفض الفتنة، ودعم الجيش، والحفاظ على وحدة لبنان. وبين نقاط الخلاف والتلاقي، تكمن فرصة تحويل هذا الطرح إلى منصة حوار وطني حقيقي، بدل أن يبقى مادة للانقسام.

    في هذا السياق، يبرز دور رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل الذي يقدّم، من خلال هذا المقترح، نموذجاً مختلفاً في العمل السياسي. فهو لا يكتفي بتحديد المواقف، بل يطرح رؤية متكاملة، تتوجّه إلى جميع اللبنانيين لا إلى جمهوره فقط، وتحاول الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة. في زمن تغلب عليه الحسابات الضيقة، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى منطق رجال الدولة الذين يسعون إلى إدارة الأزمات لا استثمارها.

    في الخلاصة، قد لا يشكّل “مقترح حماية لبنان” حلاً فورياً، وقد لا يحظى بإجماع سريع، لكنه ينجح في أمر أساسي: إعادة توجيه النقاش الوطني نحو الأسئلة الكبرى .
    وبين منطق الفوضى ومنطق الاستسلام، يطرح هذا المقترح خياراً ثالثاً: حماية لبنان عبر الدولة، وبالدولة، ومن أجل الدولة. وهي معركة، إن كُتب لها أن تُخاض بجدية، قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ وطنٍ يقف على حافة التحوّل الكبير.
    _رندا شمعون _